السيد محمد تقي المدرسي

120

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

لمعرفة وظائف الشاكّ بذلناه لمعرفة سبيل المعرفة لكفان علماً وهدى بلى . . إنّ بلوغ حقائق الدين ليس بذلك العمل البسيط . . لأنه بحاجةٍ ال التسليم النفسي لأمر الله حتى يتغلّب الإنسان على الكير والغرور في نفسه ومن رواسبه السابقة ومن أغلال الشهوات وأُصرُ الطغاة . ولعلّ تأكيد الوحي على التسليم للرسالة والرسول . . والتصديق به ، وتعزيرهُ ، ونصره وعدم الإحساس بالحرج من قضائه كل ذلك يأتي تمهيداً لتخلص النفس من الرواسب المادية ولكي تستعيد لتلقي الحكمة الإلهية . ومن الرواسب التي تتخلّص النفس حينئذ منهابإذن الله‌غرور العلم بالمطلق . حيث ساق جهل الإنسان البدائي ، وما أفرزه من فلسفةٍ ناشئةٍ في عهد اليونان الأقدمين ، ساقه إلى أن يزعم أنّه قادرٌ على الإحاطة علماً بالكليات ابتداءً من خالق السماوات حتى طبيعة السماوات . . وجوهر الموجودات وطبيعة الإنسان . لذلك تراه تخبّطَ في أكثر الموضوعات خبط عشواء ، وتكلّفَ علوماً لم يملك شيئاً من أدواتها ، كعلم الفضاء حيث اعتقدوا بأنّ للسموات روحاً وأنّها عقولٌ مجردة وما أشبه وهذا الغرور الناشئ من الجهل جعله يعيش حالة الجهل المركّب . وكان أثر هذه الحالة في مجال المعارف فجيعاً ، إذ تراه يبحث فيها عن نوعٍ من اليقين لا يوجد إلّا في الرياضياّت ، ولإن هذا القين لم يكن يحصل له بالبحث التجريبي والدراسة الميدانية ، والسبل العقلائية للمعرفة ، كفر بجدوائية هذه الأبواب الطبيعية للمعرفة ، وصنع لنفسه هرماً من الأقيسة الرياضيّة لعلّه يقف عليها وينظر من قمتها إلى حقائق الأشياء . وكان مصيره بالتالي الجهل العميم الذي يقول عنه الإمام علّيعليه السلام - : ( من ادّعى من العمل غايته ، فقد أظهر من الجهل نهايته « 1 » . ومن هنا ينبغي التخلص من غرور الجهل والاعتراف بحدود النفس في مجال المعرفة ، لأنه كما يقول أمير المؤمنين‌عليه السلام - :

--> ( 1 ) - الحياة / ج 1 - ص 66 .